الاثنين، 29 سبتمبر 2025

مارلين في مرايا وارهول

 

                                            اندي وارهول,Marilyn Diptych,1962,سلك سكرين على قماش
                                                     تيت مودرن، لندن

في عمله الشهير Marilyn Diptych (1962) قدّم آندي وارهول معالجة بصرية غير مسبوقة لصورة مارلين مونرو. اللوحة تتكوّن من خمسين صورة متكررة لمارلين، نصفها بالألوان الزاهية والنصف الآخر بالأسود والأبيض مع تدهور تدريجي في الوضوح. هذا التكوين يُظهر التحوّل من حياة الشهرة المبهرة إلى التلاشي بعد الوفاة. السياق الفني للعمل هو البوب آرت (Pop Art)، وهو حركة ركزت على الثقافة الاستهلاكية والإعلام الجماهيري، وحوّلت الصور المألوفة إلى مواد فنية. وارهول لم يعرض بورتريه كلاسيكي بل عمل كـ «مُصنِّع» لصورة إعلامية، مستخدمًا تقنية الطباعة بالشاشة الحريرية (Silkscreen) التي تسمح بالتكرار الصناعي للصورة. الجانب الأيسر بالألوان الزاهية يعكس رمزية النجومية والسطوع، فيما يعكس الجانب الأيمن بالأبيض والأسود تلاشي الهالة. هنا التكرار ليس مجرد عنصر بصري بل سرد زمني: من الحضور إلى الغياب. التقنية ذاتها تخلق التشويش والعيوب، وهذه جزء من المعنى لأنها تشير إلى هشاشة الصورة الإعلامية رغم قوة تكرارها.على المستوى البصري، يلاحظ المشاهد التسطّح (Flatness) وغياب العمق الواقعي، واستخدام التباين اللوني (Color Contrast) والتكرار (Repetition) كأدوات تكوين. الشبكة (Grid) التي تُرتب الصور تمنح إحساسًا بالهندسة والسيطرة، فيما تشققات الحبر تدل على التدهور مع الزمن. هذه المصطلحات الفنية تكشف أن اللوحة ليست مجرد صورة بل أرشيف بصري يعرض سيرورة الشهرة والغياب. العمل أيضًا يقدّم تعليقًا ثقافيًا على صناعة النجومية الأمريكية في الستينيات: مارلين تتحوّل من إنسانة إلى سلعة بصرية تتكرر حتى التلاشي. بهذا المعنى، العمل ليس بورتريهًا بل أيقونة معاصرة توثّق العلاقة بين الإعلام والموت والهوية.

.

.

. Smarthistory. “Andy Warhol, Marilyn Diptych.” Accessed September 29, 2025.

. UEN Pressbooks. “Andy Warhol, Marilyn Monroe Diptych.” Accessed September 29, 2025.

. Art Institute of Chicago. “Marilyn Monroe by Andy Warhol.” Accessed September 29, 2025.

. Alicia du Plessis. “‘Marilyn Monroe’ by Andy Warhol – Marilyn Monroe Print Analysis.” Art in Context, January 31, 2023. Accessed September 29, 2025.

. Museum of Modern Art (MoMA). “Andy Warhol. Marilyn Monroe. 1967.” Accessed September 29, 2025

تحديق

 


                                                                        (Gaze (2023–24 جيني سافيل

في عملها Gaze (2023–24)، تقدّم الفنانة البريطانية جيني سافيل لوحة زيتية كبيرة تجمع بين الدقة الواقعية واللمسات التعبيرية العنيفة على وجه بشري واحد. يواجه المتلقي وجهاً مشوهاً، أو بالأحرى وجوهاً متراكبة في صورة واحدة، حيث تمتزج الطبقات اللونية والضربات الجريئة لتخلق إحساساً بالحركة والتحوّل الدائم. هذه المعالجة البصرية توحي بأن الهوية الجسدية والنفسية ليست ثابتة، بل تتشكل وتتفكك باستمرار.


على المستوى البصري، يبرز التناقض بين تفاصيل الوجه الدقيقة والخطوط اللونية الممزقة التي تعبره. الألوان الوردية والرمادية والبرتقالية تتحرك في تفاعل حيّ، بينما الفراغات اللونية تضيف إحساساً بالجرح والانكشاف. هذا الاستخدام المكثّف للطلاء والطبقات يكسر فكرة الصورة الساكنة ويحوّلها إلى تجربة جسدية للعين.


أما على المستوى المفاهيمي، فإن اللوحة تتعامل مع نظرة المشاهد (Gaze) بوصفها قوة فاحصة تكشف وتؤطر الجسد الأنثوي. بهذا تصبح اللوحة تعليقاً على علاقة السلطة بين الرائي والمرئي، بين الجسد والهوية، وتعيد طرح أسئلة عن التمثيل والتشويه.


 Gaze عمل صريح وجريء، يدمج بين الواقعية الصادمة والتعبير الانفعالي، ويمنح المشاهد تجربة بصرية وفكرية تعكس صراع الجسد مع صورته في الثقافة المعاصرة

.

.

1. Meagher, Michelle. “Jenny Saville and a Feminist Aesthetics of Disgust.” Hypatia, Vol. 18, No. 4 (Fall 2003).

2. “GAZE.” Albertina Museum, 2025. (كتيّب المعرض الذي يشرح عمل Gaze وميزات الأسلوب والتكوين الفني).

3. Castaneda, M. J. “Rethinking Jenny Saville’s Grotesque Female Bodies.” 2009.

4. “Jenny Saville, the Body Artist.” معرض وكتيّب Gagosian، 2025.

مكعب

 

                                                         (Cube (9×9×9) (2008 منى حاطوم

تقدّم منى حاطوم تركيباً فنياً من الفولاذ الأسود المصقول بأبعاد 182×181×181 سم، يحوّل المكعب من شكل هندسي مجرد إلى فضاء نفسي وجسدي يعكس فكرة الاحتواء والانفصال في آن واحد. الشبكة المعدنية المحكمة التي تشكّل المكعب توحي للوهلة الأولى بالصرامة والحدود الصلبة، لكنها في الوقت نفسه شفافة، تسمح بالرؤية من الداخل والخارج، وتكشف هشاشة ما يبدو متيناً. هذا التناقض يخلق إحساساً بالتوتر بين الانجذاب والرفض، بين الرغبة في الدخول والخوف من الوقوع في فخ.


العمل يثير أيضاً أسئلة عن الجسد والحدود والسيطرة؛ فالشبكة تذكّر بأسوار السجون أو أقفاص الطيور، لكن صياغتها النقية تجعلها أقرب إلى نموذج رياضي أو تصميم معماري. بهذا تدمج حاطوم بين القلق الشخصي والجماعي، وتستحضر في ذهن المتلقي تجارب الاغتراب والمنفى والسجن والسيطرة الأمنية. البساطة البصرية للمكعب تخفي خلفها حمولة مفاهيمية كثيفة عن الوجود والحرية والرقابة.

متاهة الضلال

 

                                                      متاهة الضلال حمود العطاوي

 الفنان السعودي حمود العطاوي أنجز عمله متاهة الضلال باستخدام ما يقارب ٨٠٠ حاجز خرساني، ليخلق تجربة فنية تركيبية تُحوّل الحاجز الخرساني من عنصر أمني/عمراني إلى رمز قوي يُعبّر عن العزل، الضياع، والقيود المفروضة على المفاهيم الاجتماعية والسياسية. هذا العمل ليس فقط بصرياً، بل ثقافياً ونقدياً أيضاً؛ إذ يدفع المتلقي للتفكير فيما وراء المادة.


في التحليل البصري، الحواجز الخرسانية تُستخدم كمكوّن مادي صلب، خام، غير مزخرف، تفرض إحساساً بالقسوة، الصلابة، التقييد. التكرار الهائل للحواجز، المساحات الفارغة بينها، الظلال التي تتشكل، والممرات التي تُترك بين الحواجز كلها تُحفّز شعوراً بالمتاهة: البصر يتحرك، يضيع، يبحث عن مخرج، يتأرجح بين مساحة ومكان محصور. الخامة الخرسانية تُعزّز تجربة المادية القاسية، واللون الرمادي أو القاتم غالباً يُفقد المتلقي الشعور بالراحة؛ التركيب يدفع إلى استخدام الفضاء السلبي (الفراغات) مثلما يستخدم الحاجز نفسه.


السياق تاريخي وثقافي مهم جداً. العمل عُرض في بيئة سعودية تشهد تحولات كبيرة—سياسياً، اجتماعياً، ثقافياً—في ظل الرؤية 2030، الانفتاح على الفن المعاصر، ودخول الحيز العام لأعمال فنية تركيبية تُحاول أن تتحدّى الحواجز التقليدية. الحواجز الخرسية في السعودية لها دلالات أمنية وعمرانية: تُستخدم غالباً لحماية، لتسييج، للحد من المخاطر الأمنية. لذلك استخدام الحواجز في هذا العمل ليس اختيار عشوائي، بل رمز يُعيد طرح أسئلة عن الحدود: أي نوع من الحواجز يُفرض؟ هل الحواجز دفاعية أم تقييدية؟ وكيف يشعر الفرد في هذا المجتمع بأنه محاصر أو محدود غير مرئي الحدود؟


من الناحية النقدية، متاهة الضلال عمل قوي من حيث الفكرة والرمزية، لكنه لديه تحديات. قوته تكمن في قدرته على الربط بين المادة والفضاء والرسالة، وإثارة أسئلة مرتبطة بالهوية، الأمن، الحرية، المكان، التقييد. لكن من الممكن بعض الجمهور يرى الحاجز الخرساني كمادة مألوفة جدًا، فيُشعر أن التجديد فيه محدود ما لم تُقدّم تجربة ميدانية كاملة (كتجربة المرور بين الحواجز وكأنك داخل متاهة). أيضاً، إذا عُرض العمل في صور فقط، يخف تأثيره. ومع ذلك، في المشهد الفني السعودي المعاصر، هذا النوع من الأعمال مهم لأنه يُظهر قدرة الفن على التحول—لا الزينة فقط، بل مواجهات فكرية وجسدية

.

.

1. Alghamdi, Bushra. A Study of Emerging Art Practices in Saudi Arabia Supported by Contemporary Institutions. Reading: University of Reading, 2023.

2. Alrasheed, E. “Role of Alter-Modernism on Saudi Visual Arts.” Journal of Art and Design Media, 2025.

3. Fischer-Campbell, B. “The Contemporary Artworld of the Arabian Peninsula in a Globalized Context.” 2021.

4. “A Cultural Landscape in Flux: The Evolution of Saudi Art and Society.” DAF Beirut, 2025.

5. Al-Gosaibi, Nora. The Development of Saudi Arabia’s Emerging Art Market in Relation to the Global Art Market. 2022

الأحد، 14 سبتمبر 2025

الزبون

                                                                            لوحة الزبون, صفية بن زقر,1969

 في «الزبون» (1969) تقدّم صفية بن زقر صورة امرأة بزيٍّ حجازي أصفر صارخ، على خلفية زخرفية هندسية دقيقة. العمل منفّذ زيتًا على الخشب ومحفوظ في دارة صفية بن زقر بجدة، ويُعدّ واحدًا من أهم أعمالها المبكرة التي صارت علامة فارقة في مشروعها الفني.[1] صرّحت بن زقر أن اللوحة ليست بورتريه ذاتيًّا حرفيًّا بقدر ما هي بيان فخرٍ بلباس المرأة الحجازية، موضحة أن تفاصيل الثوب والأزرار والسلسلة تمثّل علامات مكانة اجتماعية تمنح الجسد معنى يتجاوز الزينة، وتحوّل الثوب إلى سجل بصري للذاكرة الجماعية.[2]

بصريًا، تضع بن زقر اللون الأصفر في مركز التكوين ليُبرز الجسد ويمنحه حضورًا بصريًا قويًا، بينما تعمل الزخارف الدائرية خلف الشخصية كحاجزٍ بصري يوازن الهيمنة اللونية ويعيد عين المتلقي إلى اليدين والوجه. هذا البناء يجعل الثوب أكثر من مجرد ملبس تراثي؛ إنه رمز هوية وحامل لقصة مجتمع كامل. بهذا تدمج بن زقر بين الرؤية الجمالية والتوثيق التاريخي، ما يجعل اللوحة جزءًا من مشروع واسع كرّسته الفنانة لحفظ الأزياء والعادات، ورسّخته مؤسّسيًا عبر تأسيس الدارة التي تضم أعمالها ومقتنيات من الأزياء والحُلي وتؤدي دور الأرشيف العام.[3]

أهمية اللوحة تعزّزت في الكتابات التي وصفتها بـ«موناليزا الحجاز»، ما يثبت انتقالها من عمل شخصي إلى أيقونة ثقافية للسعودية الحديثة ومصدر إلهام لقراءات نقدية عديدة.[4] وتُقرأ هذه الاستراتيجية التمثيلية للمرأة ضمن مسارٍ بحثي يبيّن كيف تستخدم بن زقر الصورة كأداة لاستعادة الذاكرة وتمكين الذات الأنثوية في الفضاء الفني السعودي.[5] كما تؤكد قوائم المزادات وطبعات لاحقة من العمل تأريخه وأثره المستمر في المشهد الفني المحلي والعالمي، مثبتة حضوره الدائم كمفصل رئيسي في سردية الفن السعودي المعاصر.[6]

.

.

1. The National. “Zaboun, an oil on wood self-portrait by Safeya Binzagr from 1969 (Darat Safeya Binzagr).” May 28, 2018. Accessed September 15, 2025.
2. Ithra (King Abdulaziz Center for World Culture). “The Art of Life and Life of Art.” Accessed September 15, 2025.
3. British Museum. “Safeya Binzagr — Biography (Opening of Darat Safeya Binzagr and its Collections).” Accessed September 15, 2025.
4. Arab News. “In Memory of Safeya Binzagr…” September 20, 2024. Accessed September 15, 2025.
5. Elgibreen, Eiman. Image Making: Representations of Women in the Art and Career of Safeya Binzagr from 1968 to 2000. PhD thesis, University of Sussex, 2015. Accessed September 15, 2025.
6. Sotheby’s. “Safeya Binzagr (b. 1940), After Zaboun — Digital Print with Hand Colouring; Original Painting Executed in 1969.” Accessed September 15, 2025.

الأحد، 7 سبتمبر 2025

الفن الذي يحاكي الطواف

 

                                                 أحمد ماطر – مغناطيسية (2009، عرض في بينالي الفنون الإسلامية 2025)


قدّم الفنان السعودي أحمد ماطر عمله الشهير مغناطيسية في بينالي الفنون الإسلامية 2025، وهو من أبرز الأعمال التي جمعت بين البساطة في التكوين والعمق في الدلالة. العمل يعتمد على مكعب مغناطيسي أسود صغير في المركز، تحيط به برادة حديد تتوزع في حركة دائرية منتظمة على قاعدة بيضاء. المواد بسيطة، لكن الرسالة تحمل بعدًا روحيًا وفلسفيًا واسعًا.

يمثل المكعب الأسود الكعبة المشرفة كرمز للمقدس، فيما تجسد حركة البرادة الطواف الذي يقوم به الحجاج حولها. بهذا التكوين، تتحول قوانين الجذب الفيزيائية إلى استعارة بصرية عن الجذب الروحي الذي يوحّد المسلمين حول محور واحد. العمل يطرح تساؤلات عن العلاقة بين العلم والإيمان، وكيف يمكن للفن أن يجمع بينهما في لغة بصرية مفهومة عالميًا.

المشهد يثير في النفس إحساسًا بالرهبة والتأمل معًا. حركة الجزيئات الدقيقة حول المركز تذكّر بالنظام الكوني وبالقوى الخفية التي تحفظ التوازن. التباين بين الصلابة في المكعب الأسود وهشاشة البرادة يعكس ازدواجية الثبات والحركة، المقدس واليومي.

بهذا يقدم ماطر عملًا يربط الطقس الديني بالنظام الكوني، ويجعل من الفن أداة للتفكير في معنى الارتباط الروحي ودوره في صياغة هوية الإنسان.

.

.

Saudi Press Agency. “افتتاح بينالي الفنون الإسلامية 2025 في جدة.” آخر تعديل 26 يناير 2025. https://www.spa.gov.sa/N2232118
Diriyah Biennale Foundation. بينالي الفنون الإسلامية 2025. تم الدخول في 8 سبتمبر 2025. https://biennale.org.sa/ar/biennales/islamic-arts-biennale/islamic-arts-biennale-2025