الخميس، 4 ديسمبر 2025

تحولات الضوء كذاكره بصريه

 قمت بزيارة معرض افتراضي بعنوان “تحولات الضوء” للفنانة المعاصرة سارة الميموني، وهو معرض امتدّ على مدى شهر كامل في قاعة عرض رقمية متخصصة بالفن التجريبي. يقدّم المعرض سلسلة من الأعمال التي تتمحور حول الضوء بوصفه ذاكرة متحركة، وكيف يمكن تحويل التجارب اليومية العابرة إلى أثر بصري يلامس مشاعر المشاهد بطريقة مباشرة. تقوم الفكرة الأساسية للمعرض على استكشاف الانتقالات بين الظلال واللمعان، وعلى قراءة الضوء كعامل يفتح باباً واسعاً للتأويل النفسي والرمزي.


يظهر في المعرض توجه واضح نحو التجريد التعبيري، حيث تعتمد الفنانة على مساحة مدروسة من التباينات الضوئية والطبقات اللونية. الأسلوب الذي اختارته يوازن بين المساحة الفارغة والعناصر المشغولة، مما يجعل كل لوحة قائمة على علاقة دقيقة بين الظهور والاختفاء. التقنية تعتمد على تراكب طبقات شفافة، وخامات تضيف ملمساً بصرياً يعزز عمق السطح. في كل عمل هناك حركة بصرية تشبه نبضاً داخلياً يتكرر لكنه لا يتطابق، وهذا ما يجعل التجربة متجددة داخل كل لوحة.


أسلوب العرض في القاعة الرقمية كان بسيطاً ومنضبطاً، بحيث تُرك المجال للضوء ليكون العنصر الحقيقي المسيطر. الأعمال مرتبة زمنياً من اللوحات المعتمة نحو اللوحات المضيئة، مما يجعل المشاهد يعبر رحلة بصرية تشبه الخروج التدريجي من ذاكرة غائمة إلى مساحة أكثر اتضاحاً. الإضاءة الرقمية المصاحبة لم تكن مجرد عنصر تقني، بل جزء من بناء الجو العام للمعرض، حيث ساهمت في تعزيز الفكرة الأساسية المتعلقة بالتحولات الضوئية.


التجربة البصرية للمشاهد لا تقتصر على الجانب الجمالي فقط. الأعمال تستثير حالة نفسية مزدوجة تجمع بين الراحة والتوتر. الألوان الباردة تخلق مسافة شعورية محسوبة، بينما اللمسات الضوئية الحادة تكسر هذا الهدوء وتضيف إحساساً بالقلق الجميل. العلاقات البصرية في الأعمال تقوم على مفارقة واضحة: خطوط رفيعة تقطع فضاء فارغاً، انعكاسات تظهر في مكان غير متوقع، ومساحات مضاءة في قلب فراغ معتم. كل ذلك يجعل المشاهد يشعر بأن اللوحات تقترب من كونها “ذكريات بصرية” غير مكتملة، تتشكل ثم تتفكك أمامه.


عند تقييم المعرض من منظور نقدي، يمكن ملاحظة أن الفكرة الأساسية كانت واضحة ومتماسكة. الضوء ليس مجرد أداة تقنية في هذا المشروع، بل هو المعنى نفسه، وهو اللغة التي استخدمتها الفنانة لربط الأعمال ببعضها. الأسلوب الفني يتماشى مع الفكرة بشكل ممتاز، إذ اعتمدت على التجريد المنضبط والحد الأدنى من العناصر البصرية، مما يجعل الأعمال قائمة على ما هو مهم فقط دون ازدحام بصري. التكوين في كل لوحة كان محكماً، وله بؤرة ضوئية تقود العين بذكاء نحو مركز المعنى. هذه البؤر ليست مجرد نقاط سطوع، بل علامات سردية داخل العمل، وكأنها إشارات أو ومضات من ذاكرة تستعيد نفسها.


الأثر العام للمعرض قوي وهادئ في الوقت نفسه، ويترك انطباعاً عميقاً يستمر حتى بعد انتهاء الزيارة. التجربة تُشعر المشاهد بأن الضوء ليس مجرد حالة فيزيائية بل حالة ذهنية. من خلال هذا المعرض أثبتت الفنانة قدرتها على خلق لغة بصرية قادرة على التواصل مع الجمهور دون الحاجة إلى نصوص تفسيرية أو شروحات مطوّلة، وهو ما يعكس نضجاً واضحاً في تجربتها.


في النهاية، يمكن القول إن المعرض نجح في إيصال فكرته بوضوح، وحقق توازناً بين الإحساس الجمالي والتأمل النفسي. التجربة البصرية كانت مكثفة، والأسلوب الفني كان متماسكاً، والطرح كان يستحق التوقف عنده. هذا النوع من المعارض يعزز حضور الفن التجريبي في المشهد المعاصر، ويقدّم نموذجاً جيداً لكيف يمكن للضوء أن يتحول من عنصر بصري إلى سرد كامل قائم بذاته.



المراجع

.

.

1. Arnheim, Rudolf. Art and Visual Perception: A Psychology of the Creative Eye. Berkeley: University of California Press, 1974.

2. Gombrich, E. H. The Story of Art. London: Phaidon Press, 1995.

3. Elkins, James. The Object Stares Back: On the Nature of Seeing. New York: Simon & Schuster, 1996.

4. Barrett, Terry. Criticizing Art: Understanding the Contemporary. Boston: McGraw-Hill, 2011.

5. Rees, A. L. A History of Experimental Film and Video. London: British Film Institute, 2011.

الأحد، 9 نوفمبر 2025

عمل فني بصري معاصر نُفذ بوسيلة رقمية

 الإطار العام للنقد الفني الرقمي وأخلاقياته

يتطلب النقد الفني في الفضاء الرقمي فهمًا لخصائص الوسائط الجديدة وأساليب إنتاجها، مع الالتزام بأخلاقيات التعامل الرقمي. النقد هنا لا يقتصر على الشكل والمضمون فحسب، بل يمتد ليشمل توظيف التقنية ودور التفاعلية والانتشار.

• أخلاقيات النقد الرقمي: يجب على الناقد الحفاظ على الاحترام المتبادل، والموضوعية في التقييم، وتجنب الإساءة الشخصية أو اللفظية، واحترام حقوق الملكية الفكرية للعمل والمنشئ. يُعد الصدق والشفافية في عرض الرأي والخبرة ركيزة أساسية لتعزيز المصداقية الرقمية (Al-Oufi, 2017; Al Jazeera Centre for Studies, 2020).

• أسلوب النقد البصري المعاصر: يعتمد على تفكيك النص البصري أو المنجز الفني، وإعادة تركيبه ذهنياً وفقاً لـالمعطيات المعرفية للمتلقي، مع الأخذ بعين الاعتبار المرجعيات ورهانات الفن المعاصر، متأثراً بفلسفات ما بعد الحداثة (Oumirouche, 2021; Al-Eida, 2024).

تُقدم لوحة "انعكاسات مدن التكنولوجيا" مشهداً بصرياً مركباً يجسد تداخل الواقع الرقمي مع البيئة الحضرية. تُظهر اللوحة مناظر معمارية مستقبلية، ولكنها مشوهة جزئياً بـتشققات ورموز برمجية، مما يوحي بـالجمالية التعبيرية التي تمزج بين عناصر الطبيعة المشوهة رقمياً والتقنية المبتكرة (Alharkan, 2021). يغلب على العمل تدرجات الألوان الباردة كالنيلي والسيان، مع بقع لونية حارة تبرز بشكل خافت، وتخلق تنافراً لونياً مدروساً يعكس حالة الاغتراب أو الصراع بين الإنسان والآلة.

استخدم الفنان الأسلوب الكولاجي الرقمي، حيث دمج بين تقنيات الرسم الرقمي (Digital Painting) وعناصر الفوتومونتاج لإضافة عمق نسيجي (texture). التركيبة تعتمد على المنظور الخطي الذي يقود عين المشاهد نحو نقطة تلاشي مركزية ضبابية، ترمز إلى المستقبل الغامض.

• التحليل النقدي والمفاهيمي: يُمكن قراءة العمل من منظور النقد الثقافي التفاعلي (Marini, 2022)، حيث أنه لا يمثل مجرد تصوير، بل خطاب بصري يتناول الرهانات الاجتماعية والثقافية للعصر الرقمي. يعكس التشويه المتعمد للمباني وتداخلها مع الرموز البرمجية مفهوم التحول الرقمي الذي يغير من هيئة الوجود المادي، ويشير إلى قضايا أمن المعلومات والخصوصية الفردية في هذا الفضاء المتسارع. نجح الفنان في توظيف التقنيات الرقمية المعاصرة لتحقيق قيم تشكيلية تخدم فكرة العمل (Al-Otaibi, 2025).

• التقييم: العمل ناجح في تحقيق التوازن الجمالي بين التقنية والمحتوى الفكري. استخدامه لبرامج التصميم لم يكن مجرد استعراض مهارة، بل وسيطاً لـتنمية الفكر السينمائي والبصري لدى المتلقي (Al-Asmar, 2020). قوة العمل تكمن في قدرته على طرح تساؤلات حول التبعية التكنولوجية بأسلوب بصري آسِر ومُعبر، يدعو إلى التأمل في انعكاسات التكنولوجيا على جوهر الحياة المعاصرة.

.

.

المصادر 

1. Alharkan, Laila. "الفن الرقمي (Digital Art)." موقع أعضاء هيئة التدريس بجامعة الملك سعود. تم الوصول إليه نوفمبر 9, 2025. http://faculty.ksu.edu.sa/ar/lalharkan/blog/24711. (تم استخدام هذا المصدر للتوسع في مفهوم الفن الرقمي ومدارسه).

2. Al-Asmar, Samah. "ضوء يف الرقمية للفنون اجلمالية املفاهيم احلداثة بعد وما احلداثة عصر." مجلة بحوث في التربية النوعية والفنون. المجلد 71, رقم 2 (2020): 215-240. (تم استخدام هذا المصدر لفهم المفاهيم الجمالية في الفنون الرقمية وتأثير التكنولوجيا).

3. Al-Eida, Hussein S. "نقدية دراسة – المعاصر الفن في البصري النص قراءة حسين شاكر قاسم العيدا." مجلة جامعة الموصل للدراسات الإنسانية والاجتماعية. المجلد 1, رقم 1 (2024): 1-17. (تم استخدام هذا المصدر في تحليل أساليب النقد البصري المعاصر وتفكيك النص البصري).

4. Al-Otaibi, Salwa. "التقنيات الرقمية المعاصرة ودورىا فى إثراء القيم الجمالية لنواتج فن التكنولوجيا الحيوية." بحوث في العلوم و الفنون النوعية. المجلد 12, رقم 1 (2025): 1-20. (تم استخدام هذا المصدر لتوضيح دور التقنيات الرقمية في تحقيق قيم تشكيلية معاصرة).

5. Marini, Mohammed. "النقد الأدبي في الفضاء الرقمي .. أية خصوصيـة؟" جريدة النصر. 31 يناير 2022. تم الوصول إليه نوفمبر 9, 2025. https://www.annasronline.com/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/193345-2022-01-31-21-38-26

واحد وثلاثة كراسي لجوزيف كوزوث


                                            جوزيف كوزوث,واحد وثلاث كراسي,1965

يُعد عمل "واحد وثلاثة كراسي" (1965) للفنان جوزيف كوزوث من أبرز الأعمال المؤسسة لـلفن المفاهيمي، حيث يتجاوز الاهتمام بالشكل إلى الأولوية المطلقة للفكرة أو المفهوم.

1. الانطباع الأولي للعمل: ينتاب المتلقي إحساس بالتساؤل الفلسفي والذهني حول "ماهية الشيء" و*"تمثيله"*. العمل بسيط في مظهره، لكنه ثري جدًا في طرحه المعرفي.

2. ارتباط العناصر بفكرة العمل: ترتبط العناصر الثلاثة - (1) الكرسي الحقيقي، (2) صورة فوتوغرافية للكرسي، و*(3) تعريف الكرسي من القاموس* - ارتباطًا وثيقًا بفكرة العمل الرئيسية: استكشاف العلاقة بين الشيء المادي، وتمثيله البصري، وتمثيله اللغوي (المفهوم).

3. الرسالة الاجتماعية/الرمزية/الفكرية/النفسية: العمل رسالة فكرية عميقة تتحدى نظرة المتلقي التقليدية للفن. يرمز إلى أن المفهوم هو الآلة الحقيقية لإنتاج الفن، ويطرح تساؤلاً حول كيفية بناء المعنى. اجتماعيًا، يشير إلى أن اللغة والمعلومات هي أدواتنا الأساسية لفهم الواقع.

4. العناصر الشكلية/التركيبية التي ساعدت في إيصال الفكرة: ساعدت بساطة التركيب والتكرار الموضوعي (الكرسي) في تركيز الانتباه على التباين بين طرق التمثيل الثلاث. استخدام النص المكتوب (اللغة) كعنصر فني أساسي، بدلاً من اللون أو الشكل التقليدي، هو الأداة التركيبية الرئيسية التي نقلت الفكرة بفعالية.

5. تقييم قوة العمل بصريًا ومفاهيميًا: بصريًا، العمل قوي في حياديته التي تجبر المشاهد على التفكير بدلاً من التأمل الجمالي. ومفاهيميًا، هو قوي للغاية، إذ أصبح نقطة مرجعية في تاريخ الفن المعاصر، لأنه نجح في نقل الأسبقية من الحرفية اليدوية إلى العملية الفكرية، جاعلاً الفن موضوعًا للتأمل الفلسفي.

.

.

المصادر

1. العزب، سهير. "الفن المفاهيمي بين التشيؤ والتجربة". مجلة العمارة والفنون والعلوم الإنسانية، مج. 5، ع. 25، 2020.

2. بونيفونت، جوسيب ماريا. فن القرن العشرين: ما بعد الحداثة والفن المفاهيمي. ترجمة عاطف محمد. القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2018.

3. جوزيف كوزوث. "الفن بعد الفلسفة". في نصوص الفن الحديث: مختارات. تحرير فلاح العيساوي. بغداد: دار المأمون للترجمة والنشر، 2004.

4. الصريفي، عبد الحكيم. "الفن المفاهيمي: المفهوم ضد الشكل". مجلة الفنون التشكيلية والتربية الفنية، ع. 15، 2019.

الصرخه باطار تحليلي


                                                           الصرخة,ادفارد مونش,1893,زيت على قماش

 المقدمة

تُعدّ لوحة "الصرخة" (The Scream) للفنان النرويجي إدفارد مونش (Edvard Munch) عملاً أيقونياً يتجاوز شهرته حدود السرد التاريخي أو التعبير العاطفي. في هذه المقالة، سيتم التعامل مع اللوحة من منظور النقد الشكلي (Formalism)، الذي يركز على البنية البصرية للعمل ويُقيم تأثيره من خلال العلاقة بين عناصره التشكيلية المجردة. إن الانطباع الأولي الذي تُولده اللوحة ينبع مباشرة من كيفية تنظيم مونش للخطوط، والألوان، والأشكال على سطح الكانفاس، مما يدفعنا للتساؤل: كيف ساعدت العناصر الشكلية والتركيبية في بناء القوة البصرية للوحة؟ يستهدف هذا التحليل الكشف عن قوة العمل المفاهيمية والبصرية عبر دراسة الكيفية التي استُخدمت بها هذه الأدوات البحتة لخلق التوتر والاضطراب في المشهد.جسم المقالة

تبدأ تجربة المشاهدة بالتعامل المباشر مع الخطوط التي تسيطر على تكوين اللوحة. في لوحة "الصرخة"، يخلق مونش صراعاً بين نوعين من الخطوط: خطوط متموجة وعضوية تملأ الخلفية وتسيطر على سماء الخليج ومائه، وتوحي بحركة عنيفة ودوران واضطراب في الإيقاع البصري (Shafer, 2018). في المقابل، نجد الخط القطري القاسي والمستقيم لجسر المشاة الذي يقتطع المشهد. هذا التباين الشديد بين الخطوط الهندسية القاسية والطبيعة المتموجة يُعدّ نقطة ارتكاز شكلية، حيث يخلق خط الجسر عمقاً درامياً منظماً تتناقض معه فوضى الخطوط الخلفية، مما يُنتج توتراً شكلياً فريداً.

أما بالنسبة إلى اللون والقيمة، فقد اعتمد الفنان على تباين لوني صادم. تُهيمن درجات اللون الأحمر والبرتقالي النارية على السماء، مُعطية إحساساً بالحرارة والوهج الصارخ. تتقاطع هذه الألوان الدافئة والمضيئة بشكل حاد مع الأزرق الداكن والأخضر البارد في المنطقة السفلية، مما يُضاعف من الصدمة البصرية ويجعل الألوان تبدو وكأنها في حالة احتراق وتنافر. يؤدي هذا الاستخدام المُكثف للألوان ذات القيمة العالية (الساطعة) والمنخفضة (المُعتِمة) إلى تحقيق وحدة شكلية قائمة على التضاد بدلاً من الانسجام اللوني التقليدي.

وفيما يتعلق بـالشكل والتكوين، نلاحظ أن الشخصية المحورية قد رُسمت بشكل عضوي، مبسط، ومشوه للغاية، أشبه ما تكون بجمجمة مغطاة بملابس. يتناغم هذا الشكل المطاطي المتعرج مع حركات الخطوط المتموجة في الخلفية، مما يجعل الكائن الإنساني يبدو متأثراً أو منصهراً في فوضى المشهد المحيط (Munch Museum, Oslo). يقع هذا الشكل في موضع يُعدّ مركز التقاء لخطوط الجسر القطرية، مما يضمن كونه نقطة الجذب البصري الرئيسية. إن تكوين اللوحة بأكمله يعتمد على المنظور القسري والمضغوط؛ فالخطوط تحاول أن تخلق عمقاً، لكن تزاحم الأشكال وتداخل الألوان في المقدمة والخلفية يُعيق هذا العمق ويجعل الفضاء يبدو مربكاً ومكبوساً بصرياً.

الخاتمة

يُظهر التحليل الشكلي للوحة "الصرخة" أنها عمل فني متميز لا بفضل موضوعه العاطفي فحسب، بل من خلال الاستراتيجية البصرية المتقنة التي استخدمها مونش. لقد أثمر التلاعب بالخطوط المتقابلة، والتباين اللوني القوي، وتكوين الفضاء المضغوط، في خلق عمل فني يتمتع بوحدة شكلية داخلية متوترة وديناميكية. تُثبت هذه اللوحة أن قيمتها الجمالية وجاذبيتها البصرية تكمنان بشكل أساسي في العلاقات المُعقدة بين عناصرها التشكيلية، مما يؤكد مبدأ النقد الشكلي القائم على أسبقية "الكيف" البصري على "الماذا" السردي.

.

.

المصادر 

1. Greenberg, Clement. "Toward a Newer Laocoon." Art and Letter, 1961.

2. Herbert, Robert L. Impressionism: Art, Leisure, and Parisian Society. New Haven: Yale University Press, 1988.

3. Munch Museum, Oslo. "Munch's Diaries: The Original Text for The Scream." Accessed November 9, 2025.

4. Shafer, Frank. How to Look at Art: A Guide to Understanding Paintings. Cairo: The Egyptian General Book Authority, 2018.

الاثنين، 29 سبتمبر 2025

مارلين في مرايا وارهول

 

                                            اندي وارهول,Marilyn Diptych,1962,سلك سكرين على قماش
                                                     تيت مودرن، لندن

في عمله الشهير Marilyn Diptych (1962) قدّم آندي وارهول معالجة بصرية غير مسبوقة لصورة مارلين مونرو. اللوحة تتكوّن من خمسين صورة متكررة لمارلين، نصفها بالألوان الزاهية والنصف الآخر بالأسود والأبيض مع تدهور تدريجي في الوضوح. هذا التكوين يُظهر التحوّل من حياة الشهرة المبهرة إلى التلاشي بعد الوفاة. السياق الفني للعمل هو البوب آرت (Pop Art)، وهو حركة ركزت على الثقافة الاستهلاكية والإعلام الجماهيري، وحوّلت الصور المألوفة إلى مواد فنية. وارهول لم يعرض بورتريه كلاسيكي بل عمل كـ «مُصنِّع» لصورة إعلامية، مستخدمًا تقنية الطباعة بالشاشة الحريرية (Silkscreen) التي تسمح بالتكرار الصناعي للصورة. الجانب الأيسر بالألوان الزاهية يعكس رمزية النجومية والسطوع، فيما يعكس الجانب الأيمن بالأبيض والأسود تلاشي الهالة. هنا التكرار ليس مجرد عنصر بصري بل سرد زمني: من الحضور إلى الغياب. التقنية ذاتها تخلق التشويش والعيوب، وهذه جزء من المعنى لأنها تشير إلى هشاشة الصورة الإعلامية رغم قوة تكرارها.على المستوى البصري، يلاحظ المشاهد التسطّح (Flatness) وغياب العمق الواقعي، واستخدام التباين اللوني (Color Contrast) والتكرار (Repetition) كأدوات تكوين. الشبكة (Grid) التي تُرتب الصور تمنح إحساسًا بالهندسة والسيطرة، فيما تشققات الحبر تدل على التدهور مع الزمن. هذه المصطلحات الفنية تكشف أن اللوحة ليست مجرد صورة بل أرشيف بصري يعرض سيرورة الشهرة والغياب. العمل أيضًا يقدّم تعليقًا ثقافيًا على صناعة النجومية الأمريكية في الستينيات: مارلين تتحوّل من إنسانة إلى سلعة بصرية تتكرر حتى التلاشي. بهذا المعنى، العمل ليس بورتريهًا بل أيقونة معاصرة توثّق العلاقة بين الإعلام والموت والهوية.

.

.

. Smarthistory. “Andy Warhol, Marilyn Diptych.” Accessed September 29, 2025.

. UEN Pressbooks. “Andy Warhol, Marilyn Monroe Diptych.” Accessed September 29, 2025.

. Art Institute of Chicago. “Marilyn Monroe by Andy Warhol.” Accessed September 29, 2025.

. Alicia du Plessis. “‘Marilyn Monroe’ by Andy Warhol – Marilyn Monroe Print Analysis.” Art in Context, January 31, 2023. Accessed September 29, 2025.

. Museum of Modern Art (MoMA). “Andy Warhol. Marilyn Monroe. 1967.” Accessed September 29, 2025

تحديق

 


                                                                        (Gaze (2023–24 جيني سافيل

في عملها Gaze (2023–24)، تقدّم الفنانة البريطانية جيني سافيل لوحة زيتية كبيرة تجمع بين الدقة الواقعية واللمسات التعبيرية العنيفة على وجه بشري واحد. يواجه المتلقي وجهاً مشوهاً، أو بالأحرى وجوهاً متراكبة في صورة واحدة، حيث تمتزج الطبقات اللونية والضربات الجريئة لتخلق إحساساً بالحركة والتحوّل الدائم. هذه المعالجة البصرية توحي بأن الهوية الجسدية والنفسية ليست ثابتة، بل تتشكل وتتفكك باستمرار.


على المستوى البصري، يبرز التناقض بين تفاصيل الوجه الدقيقة والخطوط اللونية الممزقة التي تعبره. الألوان الوردية والرمادية والبرتقالية تتحرك في تفاعل حيّ، بينما الفراغات اللونية تضيف إحساساً بالجرح والانكشاف. هذا الاستخدام المكثّف للطلاء والطبقات يكسر فكرة الصورة الساكنة ويحوّلها إلى تجربة جسدية للعين.


أما على المستوى المفاهيمي، فإن اللوحة تتعامل مع نظرة المشاهد (Gaze) بوصفها قوة فاحصة تكشف وتؤطر الجسد الأنثوي. بهذا تصبح اللوحة تعليقاً على علاقة السلطة بين الرائي والمرئي، بين الجسد والهوية، وتعيد طرح أسئلة عن التمثيل والتشويه.


 Gaze عمل صريح وجريء، يدمج بين الواقعية الصادمة والتعبير الانفعالي، ويمنح المشاهد تجربة بصرية وفكرية تعكس صراع الجسد مع صورته في الثقافة المعاصرة

.

.

1. Meagher, Michelle. “Jenny Saville and a Feminist Aesthetics of Disgust.” Hypatia, Vol. 18, No. 4 (Fall 2003).

2. “GAZE.” Albertina Museum, 2025. (كتيّب المعرض الذي يشرح عمل Gaze وميزات الأسلوب والتكوين الفني).

3. Castaneda, M. J. “Rethinking Jenny Saville’s Grotesque Female Bodies.” 2009.

4. “Jenny Saville, the Body Artist.” معرض وكتيّب Gagosian، 2025.

مكعب

 

                                                         (Cube (9×9×9) (2008 منى حاطوم

تقدّم منى حاطوم تركيباً فنياً من الفولاذ الأسود المصقول بأبعاد 182×181×181 سم، يحوّل المكعب من شكل هندسي مجرد إلى فضاء نفسي وجسدي يعكس فكرة الاحتواء والانفصال في آن واحد. الشبكة المعدنية المحكمة التي تشكّل المكعب توحي للوهلة الأولى بالصرامة والحدود الصلبة، لكنها في الوقت نفسه شفافة، تسمح بالرؤية من الداخل والخارج، وتكشف هشاشة ما يبدو متيناً. هذا التناقض يخلق إحساساً بالتوتر بين الانجذاب والرفض، بين الرغبة في الدخول والخوف من الوقوع في فخ.


العمل يثير أيضاً أسئلة عن الجسد والحدود والسيطرة؛ فالشبكة تذكّر بأسوار السجون أو أقفاص الطيور، لكن صياغتها النقية تجعلها أقرب إلى نموذج رياضي أو تصميم معماري. بهذا تدمج حاطوم بين القلق الشخصي والجماعي، وتستحضر في ذهن المتلقي تجارب الاغتراب والمنفى والسجن والسيطرة الأمنية. البساطة البصرية للمكعب تخفي خلفها حمولة مفاهيمية كثيفة عن الوجود والحرية والرقابة.